الشيخ الطبرسي

274

تفسير مجمع البيان

منتهى الحمد ، وغاية الشكر ، فقال : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) أي : تنزيها ، وتعظيما ، وبراءة عن السوء ، للذي خلق الأصناف والأشكال من الأشياء ، فالحيوان على مشاكلة الذكر للأنثى ، وكذلك النخل والحبوب أشكال ، والتين والكرم ونحوهما أشكال ، فلذلك قال : ( مما تنبت الأرض ) أي : من سائر النبات ( ومن أنفسهم ) أي : وخلق منهم أولادا أزواجا ، ذكورا وإناثا . ( ومما لا يعلمون ) مما في بطون الأرض ، وقعر البحار ، فلم يشاهدوه ، ولم يتصل خبره بهم . ( وآية لهم ) أي : ودلالة لهم أخرى ( الليل نسلخ منه النهار ) أي : ننزع منه ، ونخرج ضوء الشمس ، فيبقى الهواء مظلما ، كما كان ، لأن الله سبحانه يضئ الهواء بضياء الشمس ، فإذا سلخ منه الضياء أي : كشط وأزيل ، يبقى مظلما . وقيل : إنما قال سبحانه ( نسلخ منه النهار ) لأنه تعالى جعل الليل كالجسم لظلمته ، وجعل النهار كالقشر ، ولأن النهار عارض ، فهو كالكسوة ، والليل أصل فهو كالجسم . وقوله : ( فإذا هم مظلمون ) أي : داخلون في الليل ، لا ضياء لهم فيه ( والشمس تجري لمستقر لها ) معناه : ودلالة أخرى لهم الشمس . وفي قوله ( لمستقر لها ) أقوال أحدها : إنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا ، فلا تزال تجري حتى تنقضي الدنيا ، عن جماعة من المفسرين . قال أبو مسلم : ومعنى هذا ، ومعنى لا مستقر لها واحد أي : لا قرار لها إلى انقضاء الدنيا وثانيها : إنها تجري لوقت واحد لا تعدوه ، ولا يختلف ، عن قتادة وثالثها : إنها تجري إلى أقصى منازلها في الشتاء والصيف ، لا تتجاوزها . والمعنى أن لها في الارتفاع غاية لا تتجاوزها ، ولا تنقطع دونها ، ولها في الهبوط غاية لا تتجاوزها ، ولا تقصر عنها ، فهو مستقرها . ( ذلك تقدير العزيز ) أي : القادر الذي لا يعجزه شئ ( العليم ) الذي لا يخفى عليه شئ . ( والقمر قدرناه منازل ) وهي ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل كل يوم وليلة منزلة منها ، لا يختلف حاله في ذلك إلى أن يقطع الفلك . ( حتى عاد كالعرجون القديم ) أي : عاد في آخر الشهر دقيقا كالعذق اليابس العتيق ، ثم يخفى يومين آخر الشهر ، وإنما شبهه سبحانه بالعذق ، لأنه إذا مضت عليه الأيام جف وتقوس ، فيكون أشبه الأشياء بالهلال . وقيل : إن العذق يصير كذلك في كل ستة أشهر .